شهد قطاع الصلب العالمي تطورًا لافتًا خلال عام 2025، مع تسجيل الصين — أكبر منتج للصلب في العالم — تراجعًا غير مسبوق في حجم إنتاجها، ليهبط إلى أقل من مليار طن لأول مرة منذ عام 2019. هذا الانخفاض اللافت لم يأتِ بمعزل عن تحولات أعمق يشهدها الاقتصاد الصيني، أبرزها معالجة فائض الطاقة الإنتاجية وضعف الطلب المحلي، إلى جانب إعادة رسم خريطة الإنتاج والطلب في آسيا.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن الصين تهيمن على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للصلب، ما يجعل أي تغيير في سياساتها الإنتاجية أو حجم إنتاجها مؤثرًا بشكل مباشر على أسعار الحديد الخام، وسلاسل الإمداد العالمية، والأسواق الناشئة التي باتت تلعب دورًا متزايدًا في قطاع الصلب.

تراجع إنتاج الصلب الصيني لأول مرة منذ سنوات
أظهرت بيانات رسمية أن إنتاج الصين من الصلب خلال عام 2025 تراجع إلى نحو 960.1 مليون طن متري، بانخفاض قدره 4.4% مقارنة بعام 2024، الذي سجل إنتاجًا بلغ قرابة 1.005 مليار طن.
ويُعد هذا أول هبوط للإنتاج إلى أقل من مليار طن منذ سبع سنوات، في خطوة تعكس تحولات هيكلية داخل أكبر سوق للصلب في العالم.
فائض الطاقة وضعف الطلب المحلي وراء الانخفاض
يرجع هذا التراجع بالأساس إلى توجه السلطات الصينية لمعالجة مشكلة فائض الطاقة الإنتاجية في قطاع الصلب، بالتوازي مع تباطؤ الطلب المحلي، خاصة من قطاع العقارات والبنية التحتية.
ورغم تراجع حجم الإنتاج، أسهمت هذه السياسات في تحسين أوضاع الشركات، حيث أظهرت بيانات شركة الاستشارات “مايستيل” أن 54% من مصانع الصلب الصينية حققت أرباحًا في 2025، مقارنة بـ 36% فقط في 2024.
الصادرات الصينية تسجل مستوى قياسي
في المقابل، واصلت الصين تعزيز صادراتها من الصلب، بدعم من السياسات الحكومية، لتسجل 119.02 مليون طن خلال عام 2025، بزيادة 7.5% على أساس سنوي.
ورغم فرض رسوم جمركية وقيود على الصادرات الصينية في عدد من الدول، من بينها الهند، فإن دولًا أخرى تفتقر إلى صناعة صلب محلية قوية واصلت الاعتماد على الواردات الصينية المدعومة بأسعار تنافسية.
نمو الطلب الآسيوي يعوض التباطؤ الصيني
تشير التوقعات إلى استمرار التراجع الطفيف في إنتاج الصلب الصيني خلال عام 2026، إلا أن هذا التراجع يقابله نمو متزايد في الطلب والإنتاج لدى دول آسيوية أخرى.
ففي الهند، ارتفع الطلب على الصلب إلى نحو 150 مليون طن خلال السنة المالية 2025، مقارنة بـ 136.3 مليون طن في 2024، مع خطط طموحة لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 300 مليون طن سنويًا بحلول 2030.
كما يُتوقع أن يرتفع استهلاك الصلب في دول منتجة أصغر مثل فيتنام إلى نحو 32 مليون طن بحلول 2030.
الصين تظل اللاعب الأبرز في سوق خام الحديد
رغم تراجع إنتاج الصلب، ستظل الصين المشتري الرئيسي لخام الحديد خلال السنوات المقبلة. فقد سجلت واردات قياسية بلغت 1.26 مليار طن في 2025، بزيادة 1.8% على أساس سنوي، مدفوعة بإعادة بناء المخزونات خلال النصف الثاني من العام.
وأظهرت بيانات شركة “ستيل هوم” ارتفاع المخزونات من 130.1 مليون طن في أغسطس إلى 148.8 مليون طن بنهاية 2025، قبل أن تواصل الصعود إلى 157.3 مليون طن في يناير 2026.
استقرار أسعار خام الحديد رغم الضغوط المتوقعة
استقرت أسعار خام الحديد خلال الأشهر الماضية، حيث أغلق العقد الآجل في بورصة سنغافورة عند 105.70 دولار للطن، متراوحًا بين 100 و109 دولارات منذ أغسطس.
ورغم التوقعات بتعرض الأسعار لضغوط هبوطية في 2026 مع زيادة إنتاج مشروع “سيماندو” في غينيا بطاقة 120 مليون طن سنويًا، فإن الطلب الصيني القوي ونمو الإنتاج في الدول الآسيوية الناشئة لا يزالان يدعمان بقاء الأسعار فوق مستوى 100 دولار للطن.

















