شهد سوق الهواتف الذكية العالمي تراجعًا ملحوظًا خلال الربع الثالث من عام 2026، في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص شرائح الذاكرة، وهو ما انعكس على شحنات الأجهزة الجديدة وأدى إلى انخفاضها لمستويات لم يشهدها السوق منذ سنوات.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تمكنت شركة آبل من تحقيق أداء استثنائي، بعدما ارتفعت حصتها السوقية إلى 22%، مدعومة بالإقبال على هواتف آيفون 18 برو واستمرار الطلب على سلسلة آيفون 17.
ويكشف هذا التباين بين أداء السوق والنتائج التي حققتها آبل عن تغيرات واضحة في سلوك المستهلكين، خاصة مع ارتفاع أسعار الأجهزة واتجاه شريحة من المشترين إلى تأجيل قرارات الترقية أو البحث عن بدائل أقل تكلفة. وفي المقابل، استطاعت الشركة الأمريكية تعزيز وجودها في سوق الهواتف الذكية، مستفيدة من قوة الطلب على أجهزتها الجديدة وقدرتها على جذب المستهلكين رغم الظروف الاقتصادية التي يمر بها القطاع.
وبحسب تقرير صادر عن شركة أبحاث السوق «كاونتربوينت ريسيرش»، تراجعت شحنات الهواتف الذكية الجديدة عالميًا بنسبة 20% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من العام، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، في تطور يعكس حجم الضغوط التي تواجه الشركات المصنعة في الوقت الحالي.
ارتفاع أسعار الهواتف الذكية ونقص الذاكرة يضغطان على السوق العالمي
تأتي أزمة سوق الهواتف الذكية في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف مكونات الأجهزة، وعلى رأسها ذاكرة الوصول العشوائي (DRAM) وذاكرة التخزين من نوع NAND، وهما عنصران أساسيان في تصنيع الهواتف الحديثة. وأسهمت زيادة أسعار هذه المكونات في رفع تكلفة الإنتاج على الشركات، بالتزامن مع اضطرابات سلاسل الإمداد التي زادت من صعوبة توفير الأجهزة بأسعار تنافسية.
وأمام هذه التطورات، اضطرت الشركات المصنعة إلى تحمل جزء من الأعباء المالية الناتجة عن زيادة تكاليف التصنيع، بينما نقلت شركات أخرى جانبًا من هذه الزيادات إلى المستهلكين، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الهواتف في الأسواق العالمية.
وأشار التقرير إلى أن أسعار الهواتف الذكية في متاجر التجزئة العالمية زادت بنسبة 20% منذ بداية العام، وهو ما انعكس على قرارات الشراء لدى المستهلكين، خاصة الفئات التي تفضل تغيير هواتفها بصورة دورية أو تبحث عن أجهزة جديدة بإمكانات متطورة وأسعار مناسبة.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، أصبح الاحتفاظ بالهاتف الحالي لفترة أطول خيارًا أكثر انتشارًا لدى بعض المستهلكين، بدلًا من شراء جهاز جديد لا يمثل ضرورة ملحة. كما اتجه آخرون إلى الهواتف المُجددة، التي تتيح الحصول على أجهزة بمواصفات جيدة مقابل أسعار أقل مقارنة بالهواتف الجديدة.
وتضع هذه المتغيرات الشركات المصنعة أمام تحديات متعددة، إذ لم يعد تطوير المواصفات وحده كافيًا لضمان نمو المبيعات، بل أصبحت القدرة على تقديم قيمة مناسبة مقابل السعر عاملًا مؤثرًا في قرارات المستهلكين.
آبل ترفع حصتها السوقية إلى 22% بدعم من آيفون 18 برو
في الوقت الذي تراجعت فيه شحنات الهواتف الذكية عالميًا، سجلت آبل نموًا ملحوظًا في حصتها السوقية، بعدما ارتفعت من 18% إلى 22% على أساس سنوي، وفقًا لبيانات التقرير. ويمثل هذا المستوى أعلى حصة تحققها الشركة خلال الربع الثالث، كما تجاوزت حصتها حاجز 20% للمرة الأولى في تاريخها خلال هذه الفترة من العام.
ويرتبط هذا الأداء بالإقبال القوي على سلسلة آيفون 18 برو، إلى جانب استمرار الطلب على هواتف آيفون 17، وهو ما منح الشركة دفعة إضافية في سوق يعاني من تراجع الطلب العام وارتفاع أسعار الأجهزة.
ويعكس ارتفاع الحصة السوقية قدرة آبل على الحفاظ على جاذبية منتجاتها لدى المستهلكين، حتى في ظل الظروف التي تدفع كثيرين إلى تأجيل شراء الهواتف الجديدة. كما يشير إلى أهمية تنوع المنتجات واستمرار الطلب على الإصدارات السابقة في دعم أداء الشركات الكبرى.
ولا يقتصر تأثير هذه النتائج على الأرقام المسجلة خلال الربع الثالث فقط، بل يمتد إلى المنافسة بين الشركات المصنعة، إذ يمكن أن يؤدي تراجع السوق بالتزامن مع ارتفاع حصة إحدى الشركات إلى زيادة الضغوط على المنافسين، خصوصًا الشركات التي تعتمد على تحقيق مبيعات كبيرة من الأجهزة ذات الأسعار الاقتصادية والمتوسطة.
ومع ذلك، فإن استمرار نجاح آبل خلال الفترات المقبلة سيظل مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على الطلب على أجهزتها، والتعامل مع ارتفاع تكاليف المكونات، إلى جانب تقديم مزايا تبرر أسعار منتجاتها بالنسبة للمستهلكين.
مستقبل سوق الهواتف الذكية خلال الفترة المقبلة
تشير التوقعات إلى أن سوق الهواتف الذكية سيواصل مواجهة تحديات خلال ما تبقى من عام 2026، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بنقص شرائح الذاكرة وارتفاع تكاليف التصنيع. ومن المرجح أن تؤثر هذه العوامل على خطط الشركات المتعلقة بالإنتاج والتسعير، خاصة إذا استمرت أسعار المكونات الأساسية في الارتفاع.
وفي الوقت نفسه، قد تتجه المنافسة بصورة أكبر نحو الهواتف الفاخرة التي تحقق عائدات أعلى للشركات، مع محاولة الحفاظ على جاذبية الأجهزة الأقل سعرًا لتلبية احتياجات المستهلكين الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه الزيادات السعرية.
ومن المتوقع أيضًا أن يواصل المشترون مقارنة مواصفات الهواتف وأسعارها بعناية قبل اتخاذ قرار الشراء، مع زيادة الاهتمام بعمر البطارية وجودة الكاميرا وسعة التخزين والأداء العام للجهاز، إلى جانب التفكير في الاحتفاظ بالهاتف لفترة أطول قبل استبداله.
وفي هذا السياق، ستكون قدرة آبل على الحفاظ على الزخم الذي حققته سلسلتا آيفون 17 وآيفون 18 برو أحد العوامل المهمة في تحديد مسار أدائها خلال الفترة المقبلة. كما ستتوقف تطورات السوق على مدى قدرة الشركات المصنعة على احتواء تكاليف الإنتاج وتوفير الأجهزة بأسعار تتناسب مع إمكانات المستهلكين.
وبذلك، تكشف نتائج الربع الثالث من عام 2026 عن سوق يواجه تراجعًا واضحًا في شحنات الهواتف الجديدة، لكنه يشهد في الوقت نفسه تغيرًا في موازين المنافسة، مع نجاح آبل في زيادة حصتها السوقية رغم الضغوط التي تعاني منها صناعة الهواتف الذكية عالميًا.
















