في لقاء حديث له شبّه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، تأثير الذكاء الاصطناعي على الدول والمجتمعات بوصول أذكى العقول في العالم إلى بلد واحد، ثم عملها بصورة مكثفة على حل المشكلات التي يحددها ذلك البلد.
وجاء هذا التصور ضمن حديث ألتمان عن القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن يضيفها الذكاء الاصطناعي للدول، مؤكدًا أن الاستفادة من هذه التقنية أصبحت أمرًا لا يمكن تجاهله، نظرًا لما يمكن أن تحققه من نمو اقتصادي وتحسين في مستوى حياة الأفراد.
ويرى ألتمان أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة تقنية جديدة، وإنما يمكن أن يتحول إلى قوة معرفية واسعة يمكن للدول والأفراد توظيفها في مجموعة كبيرة من المجالات، وفق احتياجاتهم وقدراتهم على استخدامها.
أذكى العقول تعمل لصالح بلدك
استند ألتمان في شرحه إلى تشبيه الذكاء الاصطناعي بوصول أذكى الأشخاص في العالم إلى بلد ما، وتعلمهم لغته، ثم تكريس وقتهم وجهدهم لاكتشاف حلول للمشكلات التي يريد ذلك البلد التعامل معها.
ويعكس هذا التشبيه تصورًا للذكاء الاصطناعي باعتباره طبقة جديدة من القدرات المعرفية التي يمكن الوصول إليها عند الحاجة، سواء في الأعمال أو البحث أو التعليم أو الخدمات.
وقال ألتمان إن الدول يمكنها تشغيل القدر الذي تريده من هذه القوة، في الوقت الذي قد تختار فيه دول أخرى استئجار هذه القدرات من جهات خارجية بدلًا من بناء البنية التحتية اللازمة لها محليًا.
الاستثمار في البنية التحتية خيار استراتيجي
ويربط ألتمان بين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وبين الخيارات التي تتخذها الدول بشأن البنية التحتية اللازمة لتشغيله.
وأشار إلى أن بعض الدول قد تختار بناء مراكز البيانات داخل أراضيها، بينما قد تفضل دول أخرى استئجار مراكز البيانات والقدرات الحوسبية من جهات خارجية، معتبرًا أن كلا الخيارين يمكن أن يكون مناسبًا وفق احتياجات كل دولة.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تتجه فيه دول عديدة إلى الاستثمار في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، مع ارتفاع الطلب على البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها.
وفي السعودية، أصبح تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أحد المحاور الرئيسية ضمن منظومة التقنية، مع إعلان استثمارات وشراكات في مراكز البيانات والحوسبة السريعة والنماذج والخدمات السحابية خلال LEAP 2026. وقد بلغت قيمة الإعلانات والاستثمارات والاتفاقيات في الحدث نحو 15 مليار دولار.
الذكاء الاصطناعي كأداة للتعليم
لم يحصر ألتمان قيمة الذكاء الاصطناعي في قدرته على معالجة البيانات أو أتمتة المهام، وإنما تحدث عن إمكانية استخدامه لتوسيع الوصول إلى المعرفة والتعليم.
ووصف هذه الإمكانات بأنها أشبه بـتعليم في زجاجة، في إشارة إلى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على توفير المعرفة والمساعدة التعليمية بصورة واسعة، وإتاحتها لعدد أكبر من الأشخاص.
ويرى ألتمان أن هذا التحول يمكن أن يغير طريقة حصول الأفراد على الخدمات المعرفية، خصوصًا مع تطور النماذج وقدرتها على فهم اللغات المختلفة والتفاعل مع المستخدمين بصورة أكثر طبيعية.
خدمات كانت متاحة للأثرياء فقط
وتطرق ألتمان إلى التأثير المتوقع للذكاء الاصطناعي على جودة حياة الأفراد، مشيرًا إلى مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والخدمات التي كانت في السابق متاحة بدرجة أكبر للأشخاص الأكثر ثراءً.
ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في توسيع نطاق الوصول إلى هذه الخدمات، مع إتاحة مستويات جديدة من المساعدة للأفراد الذين لم يكن بإمكانهم الوصول إليها بسهولة في السابق.
ويأتي ذلك ضمن تصور أوسع لألتمان بشأن الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية يمكن أن تقلل تكلفة الوصول إلى المعرفة والخدمات المتخصصة، مع استمرار تطور قدرات النماذج والبنية التحتية التي تشغلها.
الذكاء الاصطناعي يسرّع تحويل الأفكار
وأشار ألتمان كذلك إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على مساعدة الأفراد في الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ بسرعة أكبر.
ويرى أن الأشخاص أصبح بإمكانهم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير أفكارهم وتحويلها إلى منتجات أو خدمات بصورة أسرع، ما يمكن أن يفتح المجال أمام عدد أكبر من الأفراد لتجربة أفكار جديدة وتنفيذها.
ويمنح هذا التحول الأفراد قدرات كانت تتطلب في السابق فرقًا متخصصة ووقتًا أطول، خصوصًا في مجالات البرمجة والبحث وتحليل المعلومات وإنتاج المحتوى.
ذكاء في زجاجة للجميع
واختتم ألتمان حديثه بالتأكيد على رغبة OpenAI في المساعدة ودعم انتشار هذه القدرات، مشيرًا إلى أن الأمر لا يتعلق بشركة واحدة فقط، وإنما بصناعة الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع.
ووصف الذكاء الاصطناعي بأنه نوع من الذكاء المكثف في زجاجة، إلى جانب كونه تعليمًا في زجاجة، في محاولة لتوضيح حجم القدرات التي يمكن أن تصبح متاحة للأفراد والدول من خلال هذه التقنية.
وتعكس هذه الرؤية تصورًا للذكاء الاصطناعي كأداة يمكن للدول والمجتمعات توظيفها وفق أولوياتها، مع اختلاف النماذج التي يمكن اتباعها في بناء مراكز البيانات أو استئجار الحوسبة أو تطوير القدرات المحلية.
السعودية تبني منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي
تأتي تصريحات ألتمان في وقت تعمل فيه السعودية على بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تشمل مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة والرقائق والنماذج والخدمات السحابية والتطبيقات.
وخلال LEAP 2026، أعلنت المملكة عن مجموعة من الاستثمارات والشراكات في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، فيما أشارت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات إلى أن هذه المبادرات تستهدف بناء منظومة متكاملة تمتد من الطاقة والاتصالات إلى مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة والنماذج والتطبيقات.
كما شهد الحدث توسعًا في شراكات HUMAIN مع شركات عالمية، في إطار تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحوسبية داخل المملكة.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى قدرة وطنية
ويضع حديث ألتمان الذكاء الاصطناعي في إطار يتجاوز استخدام الأدوات الفردية، نحو التعامل معه كقدرة يمكن للدول بناء اقتصادات وخدمات جديدة حولها.
فالدولة التي تمتلك القدرة على الوصول إلى الحوسبة والنماذج والبيانات والكوادر القادرة على استخدامها تستطيع توظيف هذه الموارد في مجالات متعددة، من الخدمات الحكومية والتعليم إلى الصحة والأعمال والبحث والتطوير.
ومن هذا المنظور، يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بقدرة الدول على بناء منظومة متكاملة حول التقنية، وليس فقط شراء أدوات جاهزة واستخدامها.


















