يشهد قطاع التعدين في مصر تحولًا يستهدف زيادة الاستثمارات في الاستكشاف والإنتاج وتعظيم القيمة المضافة للخامات، مع إطلاق نظام «القطاعات المفتوحة» الذي جذب خلال أول 3 أشهر 119 شركة قدمت 403 عروض على 118 قطاعًا من أصل 335 قطاعًا مطروحًا. وتشمل الفرص الذهب والمعادن المصاحبة والفوسفات والتلك والكاولين، بينما يظل الذهب في مقدمة الفرص الاستثمارية، مدعومًا بتجربة «منجم السكري» الذي يمثل أحد أبرز مشروعات التعدين في مصر.
يشهد قطاع التعدين في مصر تحولًا تدريجيًا من نشاط يتركز على استخراج الخامات إلى قطاع يستهدف جذب الاستثمارات الدولية، وتوسيع أعمال الاستكشاف، وزيادة التصنيع المحلي وتعظيم القيمة المضافة. وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه عالميًا أهمية المعادن والمواد الخام المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والصناعة، ما يفتح أمام مصر فرصة لتطوير مواردها التعدينية وتحويلها إلى مصدر للاستثمار والإيرادات وفرص العمل.
335 قطاعًا مطروحًا للاستكشاف
أطلقت مصر في يونيو 2026 نظامًا جديدًا لطرح الفرص التعدينية تحت اسم «نظام القطاعات المفتوحة»، بما يسمح للشركات بالتقدم للحصول على مناطق استكشاف على مدار فترة الطرح بدلًا من انتظار موعد إغلاق واحد للمزايدة. ويشمل الطرح الذهب والمعادن المصاحبة والفوسفات والتلك والكاولين، مع إتاحة البيانات الجيولوجية للشركات الراغبة في الاستثمار.
وفي أحدث تطور، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في 28 سبتمبر 2026، خلال افتتاح منتدى مصر للتعدين، أن 119 شركة تقدمت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تطبيق النظام، بينها أكثر من 14 شركة أجنبية من أستراليا وبريطانيا وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين.
وقدمت الشركات 403 عروض على 118 قطاعًا من أصل 335 قطاعًا مطروحًا، تمتد على مساحة تقارب 45 ألف كيلومتر مربع، وتشمل مناطق للذهب والفوسفات والتلك والكاولين وخامات أخرى. ويعكس حجم الإقبال الأولي اهتمامًا متزايدًا بالفرص التعدينية المصرية، وفق البيانات الرسمية.
الذهب يظل الفرصة الأكبر
يمثل الذهب المحور الأبرز في استراتيجية تطوير التعدين المصرية، خصوصًا في الصحراء الشرقية التي تقع ضمن نطاق الدرع العربي النوبي، وهي منطقة تمتلك إمكانات جيولوجية واسعة لم تُستكشف بالكامل.
ويظل منجم السكري النموذج الأبرز لصناعة التعدين الحديثة في مصر. وتملك وتشغل المنجم شركة مشتركة بين هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية وشركة «AngloGold Ashanti»، بعد استحواذ الأخيرة على «Centamin». ويقع المنجم في منطقة جبل السكري بالقرب من مرسى علم، وتبلغ مساحة امتياز التعدين الحالي نحو 160 كيلومترًا مربعًا.
وتكتسب تجربة السكري أهمية إضافية بعد استحواذ «AngloGold Ashanti» على «Centamin» في صفقة بلغت قيمتها نحو 2.5 مليار دولار، وهي الصفقة التي نقلت ملكية الحصة الخاصة بالمنجم إلى شركة تعدين عالمية كبرى. وكانت «Reuters» قد أشارت عند الإعلان عن الصفقة إلى أن السكري ينتج نحو 450 ألف أوقية من الذهب سنويًا.
وفي 2025، ساهم السكري بصورة كاملة في نتائج «AngloGold Ashanti» للمرة الأولى، وسجلت الشركة إنتاجًا عالميًا بلغ 3.1 مليون أوقية، بزيادة 16%، مدفوعة جزئيًا بالمساهمة الكاملة للمنجم المصري.
ما وراء الذهب.. الفوسفات والتلك والكاولين
لا تقتصر الفرص المصرية على الذهب، إذ مُستهدف مجموعة من الخامات الصناعية التي يمكن أن ترتبط بصناعات تحويلية محلية.
وتشمل الفرص المطروحة حاليًا الفوسفات والتلك والكاولين إلى جانب الذهب والمعادن المصاحبة. وتتيح القواعد الجديدة للشركات المرخص لها، بموافقة الهيئة، البحث عن خامات أخرى داخل القطاعات التي تفوز بها، وهو ما قد يساعد على زيادة العائد الاقتصادي من المنطقة التعدينية الواحدة.
وفي مثال على التحرك نحو استغلال الخامات الصناعية، وقعت «هيئة الثروة المعدنية» و«Elsewedy Capital» في 2025 مذكرة تفاهم لدراسة واستكشاف واستخراج ومعالجة خام الفوسفات في منطقة السباعية بوادي النيل، مع إمكانية الدخول في مشروعات مشتركة للتنقيب والإنتاج. ويستهدف المشروع تطوير صناعات تزيد القيمة الاقتصادية للفوسفات بدلًا من الاكتفاء باستخراجه في صورته الأولية.
إصلاح نموذج الاستثمار
أحد أهم التغيرات الحالية هو محاولة تغيير طريقة طرح الفرص التعدينية نفسها، فبدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على مزايدات محددة التوقيت، يسمح نظام «القطاعات المفتوحة» للشركات بتقديم عروضها خلال فترة الطرح، بينما تظل القطاعات التي لم تتلق عروضًا متاحة، مع إمكانية طرح قطاعات جديدة تباعًا. كما توفر الهيئة حزم بيانات جيولوجية للشركات، وتستخدم معايير تقييم مرتبطة بالمعايير الدولية، بما في ذلك الإشارة إلى معيار JORC الخاص بالإبلاغ عن نتائج الاستكشاف وتقديرات الموارد والاحتياطيات.
وترى الحكومة أن هذه الآلية يمكن أن تجعل السوق المصرية أكثر مرونة في التعامل مع شركات التعدين الدولية، خصوصًا أن قرار الاستثمار في التعدين يعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات الجيولوجية ووضوح إجراءات الترخيص والتكلفة والجدول الزمني للوصول إلى الإنتاج.
وكانت وزارة البترول قد قالت في يوليو 2026 إن المؤشرات الأولية للطرح الجديد أظهرت اهتمامًا من شركات مصرية ودولية، وربطت ذلك بالإصلاحات التشريعية والمؤسسية التي تستهدف تحديث القطاع ورفع قدرته التنافسية.
شركات دولية تعود إلى الاستكشاف
لا يقتصر التطور على طرح مناطق جديدة، بل يشمل أيضًا عودة شركات أجنبية إلى عمليات الاستكشاف.
ففي يونيو 2026، ناقشت وزارة البترول مع شركة «FMC» القبرصية، المعروفة سابقًا باسم «SMW»، خطط استئناف نشاطها في استكشاف الذهب والمعادن في الصحراء الشرقية، في ظل الإصلاحات التي تقول الوزارة إنها تستهدف زيادة جاذبية الاستثمار في التعدين.
وفي سبتمبر، عقد وزير البترول مباحثات مع شركات تعدين كبرى من أستراليا والصين وجنوب أفريقيا لجذب استثمارات جديدة، خصوصًا في الذهب واستكشاف المعادن، بالتزامن مع استمرار طرح الفرص بنظام القطاعات المفتوحة.
لماذا يمثل التعدين فرصة مهمة لمصر؟
تكمن أهمية التعدين بالنسبة للاقتصاد المصري في أن تأثيره المحتمل لا يقتصر على قيمة الخام المستخرج. فالمشروع التعديني يمكن أن يخلق سلسلة اقتصادية تبدأ من الاستكشاف والتنقيب، مرورًا بالمناجم والنقل والخدمات الهندسية والطاقة والمياه، وصولًا إلى المعالجة والتكرير والتصنيع والتصدير.
وهذا هو الاتجاه الذي تؤكد عليه المؤسسات الدولية أيضًا. فالبنك الدولي يشير إلى أن تطوير المعادن يمكن أن يخلق وظائف، ويجذب الاستثمار، ويدعم الصناعات المحلية، ويتيح تطوير سلاسل قيمة محلية تشمل المعالجة والتصنيع والخدمات والبنية التحتية المرتبطة بالمناجم. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أهمية الحوكمة والشفافية والبنية التحتية والمعايير البيئية والاجتماعية لضمان تحول الثروة المعدنية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر مع تصاعد الطلب العالمي على المعادن الحيوية. فالبنك الدولي يتوقع أن يؤدي ارتفاع احتياجات الطاقة إلى زيادة كبيرة في الطلب على المعادن الأساسية خلال العقود المقبلة، بينما أصبحت تأمينات سلاسل الإمداد للمعادن جزءًا من المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية عالميًا.
من استخراج الخام إلى التصنيع المحلي
تسعى مصر إلى تحقيق استفادة أكبر من مواردها من خلال الانتقال من نموذج استخراج الخام وبيعه إلى نموذج يركز على القيمة المضافة.
وقد أكد وزير البترول والثروة المعدنية خلال منتدى مصر للتعدين أن الدولة تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع زيادة الاستثمارات وعدد الشركات والتوسع في مشروعات التصنيع.
وهذا الهدف يعني أن التأثير الاقتصادي المتوقع للقطاع لا ينبغي قياسه فقط بقيمة إنتاج الذهب أو الفوسفات، وإنما بحجم النشاط الذي يمكن أن ينشأ حوله: مصانع المعالجة، ومصانع المنتجات المعدنية، وشركات الخدمات التعدينية، واللوجستيات، ومراكز التدريب، والتكنولوجيا الجيولوجية، إضافة إلى الصادرات.
البنية التحتية والخدمات.. فرصة موازية
تحتاج صناعة التعدين إلى استثمارات كبيرة في الطرق والطاقة والمياه والاتصالات والخدمات اللوجستية، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من الموارد المعدنية المصرية يقع في مناطق صحراوية بعيدة عن المراكز الصناعية والسكانية.
وهذا يعني أن التوسع في التعدين يمكن أن يدعم بدوره تطوير البنية التحتية في الصحراء الشرقية ومناطق التعدين، كما يمكن أن يخلق طلبًا على شركات المقاولات والهندسة والنقل والخدمات الفنية المحلية.
ويشير البنك الدولي إلى أن توفر الكهرباء والنقل والمياه والبيانات الجيولوجية والعمالة الماهرة يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل الموارد المعدنية إلى استثمارات قابلة للتنفيذ، وليس مجرد احتياطيات تحت الأرض.
فرصة استراتيجية في توقيت عالمي مهم
تأتي محاولة مصر تطوير قطاع التعدين في توقيت تتزايد فيه المنافسة العالمية على الموارد الطبيعية، خصوصًا الذهب والنحاس والليثيوم والمعادن المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
وتشير «Reuters» إلى أن شركات التعدين العالمية تتجه حاليًا إلى زيادة حجمها وتأمين الموارد طويلة الأجل، في ظل ارتفاع تكلفة تطوير المناجم الجديدة وتزايد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسلاسل إمداد المعادن.
وبالنسبة لمصر، فإن وجود موارد معدنية واسعة، وموقع جغرافي يربط أفريقيا وآسيا وأوروبا، وشبكة موانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، يمكن أن يوفر أساسًا لتطوير قطاع تعدين يتجاوز بيع الخامات إلى بناء مركز إقليمي للمعالجة والتجارة والخدمات التعدينية.
ما الذي يمكن أن يضيفه التعدين إلى الاقتصاد القومي؟
إذا نجحت الإصلاحات الحالية في تحويل الاستكشاف إلى مشروعات إنتاجية، فإن مساهمة التعدين في الاقتصاد المصري يمكن أن تظهر عبر عدة قنوات: زيادة الاستثمارات الأجنبية والمحلية، رفع الصادرات، توفير إيرادات للدولة، خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، تنمية المناطق النائية، دعم الصناعات التحويلية، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض الخامات والمنتجات المعدنية.
لكن تحقيق هذه العوائد يتوقف على الانتقال من مجرد زيادة عدد التراخيص إلى زيادة عدد المناجم المنتجة، ومن تصدير الخام إلى التكرير والمعالجة والتصنيع، إلى جانب استمرار تحسين البيئة التنظيمية والبيانات الجيولوجية والبنية التحتية والمعايير البيئية.
ومع حصول 119 شركة على فرص التقدم وتقديم 403 عروض على 118 قطاعًا خلال أول ثلاثة أشهر من نظام القطاعات المفتوحة، تبدو مصر أمام اختبار عملي جديد: هل تستطيع تحويل الاهتمام الاستثماري المتزايد إلى اكتشافات تجارية ومناجم ومصانع وسلاسل قيمة محلية؟ نجاح هذه المرحلة هو العامل الذي سيحدد ما إذا كان التعدين سيظل قطاعًا واعدًا، أم يتحول بالفعل إلى أحد محركات الاقتصاد القومي.

















